الحكيم الترمذي

20

كيفية السلوك إلى رب العالمين

ومنهم من يدعوهم من باب ملاحظة الأخلاق القهرية . ومنهم من يدعوهم من باب الأخلاق الإلهية . وهو أرفع باب وأجله . واعلم أن الحرص ، والبخل ، والجبن ، والحسد ، والكبر ، ما زال من الإنسان أصلا ، وجرى عليه لسان الحمد والذم لها على حساب تصريفها . فمن قال للإنسان لا تجبن ولا تبخل ، فقد قال له : زل عن نشأنك وانعدم وانتشىء نشأة أخرى : إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( 20 ) [ المعارج : 19 - 21 ] فلا ينفك عما جبل عليه ، لكن قد عين الحق تعالى المواطن التي نقوم فيها بهذه الصفات ، ولنشأة الدّنى اختصاص بخلاف النشأة الأخرى ، حتى لا يقع اشتراك بين النشأتين من جميع الوجوه . وللنشأة الأخرى اختصاص ، فكيف لا يكون ذلك ، ونشأة الدنى نشأة امتزاج وأمشاج ، ونشأة الأخرى ، نشأة خلاص من هذا المزاج ، فيتخلص الشقي لشقاوته ، فلا يكون فيه شيء من الخير ، ويتخلص السعيد لسعادته فلا يكون فيه شيء من البشر ؛ لأن ذات الآخرة تعطي ذلك ، فلا جبن ، ولا بخل ، ولا حسد في نشأة السعداء أصلا . ولو كانت هي هذه النشأة لم تفارقها لوازمها ، ولا وجود ، ولا أمن ، في نشأة الأشقاء أصلا ، ولو كانت عن هذه النشأة لم تفارقها لوازمها بالتعاقب وغير التعاقب ، واعتل بتعاقب ظهور هذه الصفات ، فالحكم على ظاهر الغالب لا في عينها ، فإنها لازمة للنفس من حكم هذا التركيب المخصوص . والتركيب في الأخرى خاصة ، يشبه هذا التركيب في الصورة ، لا في جميع الوجوه ، فتكون للنفس لوازم أخرى غير هذه اللوازم في هذا العين ، فبهذا ينبغي لك أن تدرك النشأة الأخرى ، فعبر الشّارع عن هذه المكافآت بالصورة ، فنحن نقول بالصورة والمثل ، لا بالنظير أدبا شرعيا ، إذ الأدباء جلساء الحق ، ومن لا أدب له ، لا شهود له ، ومن لا شهود له ، فهو يسبح في بحر الأفكار العقلية بالوسائط الخيالية ، وهي الحائر الذي لا يهتدي أبدا ، فهو يطلب ما لا يعطى حقيقته أن يطلب . فإذا قال وجدت ، وقد حصلت ما كنت طلبت ، فقد سقط وخسر ما في يديه من حيث لا يشعر ، فنعوذ باللّه من غمرة الجاهلين . فالسعيد من أهمل الفكر والطلب ، الذي لا يثبت له قدم ، ولا يستقر به منزل ،